بسم الله الرحمن الرحيم
الدكتور محمد راتب النابلسي

*مدارج السالكين
مقدمة
أيها الأخوة المؤمنون .... انطلاقاً من قول النبي عليه الصلاة والسلام : " من عرف نفسه، عرف ربه "
فالإنسان من دون جميع المخلوقات يتمتع بما وهبه الله عزّ وجل بقوة إدراكية ، فإذا غفل عن سر وجوده وعن حقيقة وجوده وعن مهمته في الدنيا فقد ضلَّ سواء السبيل ، الله سبحانه وتعالى يقول :
{{ قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا}}
(سورة الكهف)
يجب أن نقف قليلاً عند كلمة الأخسرين ، إنها جمع الأخسر والأخسر اسم تفضيل .. الأشد خسارة ، الإنسان في الدنيا قد يخسر ماله ويعوضه ، قد يخسر مركزه ويعوّضه ، ولكن الإنسان في الآخرة حينما يكتشف أنه ضلَّ سواء السبيل ، وحينما يكتشف أن أمامه شقاءً أبدياً، لا يُقال له خاسر . يقال له أخسر، خسر نفسه وخسر الآخرة الأبدية وضيَعها من أجل لعاعة من الدنيا كما وصف النبي عليه الصلاة والسلام الدنيا .
إذا : "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضلَّ سيعهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً " .
فالناس مختلفون : ( من منهم من يدري ويدري أنه يدري فهذا عالمٌ فاتبعوه ، ومنهم من يدري ولايدري أنه يدري فهذا غافلٌ فنبّهوه، ومنهم من لايدري ويدري أنه لايدري فهذا جاهلٌ فعلّموه ، ومنهم من لايدري ولايدري أنه لايدري فهذا شيطان فاحذروه ).
إذاً الإنسان دون جميع المخلوقات زوده الله بقوة إدراكية .. إذا قلت لكم إن أعظم شيء خلقه الله في الأرض أو في الكون هو العقل البشري لا أكون مبالغاً ، الإنسان به يرقى ، وبه ينحط . الإنسان هل هو إلا عقل يدرك وقلب يحب ، والعلاقة بين العقل والقلب كما ورد في الحديث الشريف : " أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً "
كلما رجَحَ عقلك ازداد حبك ، وانطلاقاً من أنه من عرف نفسه فقد عرف ربه يجب أن نعرف أنفسنا من نحن ..؟ ماهويتنا ..؟ لئلا تستهلكنا الحياة ، الحياة تستهلك الناس من عملٍ إلى نومٍ إلى راحةٍ إلى متعةٍ إلى ندوةٍ إلى سهرةٍ إلى نزهةٍ إلى لقاء إلى خصومةٍ إلى مجادلةٍ ويأتي الأجل وقد ضيّع الإنسان كل شي . فمن أجل أن لاتستهلكنا الدنيا ومن أجل أن لانكون ضحية الجهل الله سبحانه وتعالى يقول :
{{ الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير و أن الله قد أحاط بكل شيء علما}}
( سورة الطلاق)
كأن علّة وجودنا في هذه الأرض أن نعلم ، ويبدو أن العلم إذا كان كما أراد الله عزّ وجل ينقلب إلى عمل ، وإذا صحّ العمل سَعِدَ الإنسان في الدنيا والآخرة . لذلك .. قال الله عزّ وجل :
{{ وما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون}}
(سورة الذاريات)
العبادة في الأصل غاية الخضوع إلى الله عزّ وجل ، غاية الاستسلام ، غاية المحبة ، غاية التوجه . والإنسان يتوجه إلى الله ، ويعبده ويحبه ويستسلم له ، .. إذا عرفه ... وإذا توجه إليه .. يسعد لقربه ولذلك خلقه .
و يقول الله عزّ وجل " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "أنت أيها الإنسان مهمتك الأولى أن تعبد الله عزّ وجل .
و الإنسان ..؟ هو المخلوق الأول .. لأنه قَبِلَ حمل الأمانة سَخّرَ الله له مافي السماوات والأرض . حَملُ الأمانة مأخوذ من قوله تعالى :
{{ إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا}}
( سورة الأحزاب)
هذه الأمانة عُرضت على جميع المخلوقات في عالم الأزل، أشفقن منها وحملها الإنسان ……. لأنه حملها استحق أن يسخّرَ له مافي السماوات ومافي الأرض وتعلمون أن المسخّرَ له أقربُ دائماً من المُسخّر . المسخّرُ له وهو الإنسان أكرمُ على الله من المسخّر ، لذلك الله عزّ وجل يقول :
{{ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر و رزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}}
( سورة الإسراء )
أنت المخلوق الأول في هذا الكون ، المخلوق المكرّم ، أنت مكلّفٌ بالأمانة ، مكلّفُ بهذه النفس التي بين جنبيك ... أنت كائن لك جسد ولك نفس ولك روح . في أرجح الأقوال .. ذاتك .. ذاتك التي وصفها الله عزّوجل بأنها ذات الصدور والله عليم بذات الصدور .
{{ ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية}}( سورة الفجر)
ذاتك التي هي موضع الأمر والنهي ، وهي التي تؤمن وتكفر ، وهي التي تسعد وتشقى ، وهي التي ترضى وتغضب ، وهي ذات الإنسان التي خلقها الله عزّ وجل لتبقى في أبد الآبدين .. إنها نفسك ...
لك جسد والله سبحانه وتعالى بطريقةٍ أو بأخرى ربط الجسد بالنفس ، هذا الجسد وعاءٌ لها ، حاملٌ لها ثوبٌ لها ، رداءٌ لها ، وهذا الجسد شيءٌ مؤقت ينتهي عند الموت . فالذي يبالغ في إمتاع جسده والعناية به ويهمل نفسه وهذا حال أهل الأرض تعيس تعيس - ماذا قال بعض زعمائهم ؟ ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا . سيطروا على الطبيعة على حدِ زعمهم ولكن ماسيطروا على هذه النفس نفسهم لم تسعد ، تمتعت أعضاؤهم ، تمتعت حواسهم ، ولكن نفوسهم لاتسعد لأن فِطرة الله عزّ وجل التي فطر الإنسان عليها لاتسعد إلا بقربه .. الدليل :
{{ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لايعلمون}}
( سورة الروم)
أن تقيم وجهك للدين حنيفاً وأن تُقبل على ربك وأن تلتزم أمره ونهيه هو الوضع الطبيعي للنفس البشرية ، " فأقم وجهك للدين حنيفاً " .
المفارقة أن أهل الغرب اعتنوا بأجسادهم ولكن هذه النفس الغالية التي كرّمها الله عزّ وجل وضعوها في الوحول وضعوها في الشهوات الخسيسة .
أنت لك نفس .. هذه النفس تذوق الموت ولاتموت ، هي خالدةٌ إما في جنةٍ يدوم نعيمها أو في نارٍ لاينفذ عذابها . هذه النفس تسعد بقربها من الله وتشقى ببعدها عنه قال الله عزّ وجل:
{{ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى}}
( سورة طه)
لن تجد إنساناً واحداً على وجه الأرض سعيداً وهو بعيدعن الله عزّ وجل فهذه الحالة مستحيلة . بعض المفسرين تساءلوا حول هذه الآية : مابال الملوك ، مابال الأغنياء ، ليس عندهم ولامشكلة .. الأمور كلها موفورة لديهم . فأجاب بعضهم بأنه ضيق القلب .. ضيق القلب هو الذي عناه الله عزّ وجل من قوله تعالى " ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً " .
وجه اهتمامك إلى هذه النفس التي بين جنبيــك ، وانتبه لها ، يقول سيدنا عمر : / تعاهد قلبك / فالإنسان إذا أصاب عينــه عارضٌ ، يقلق قلقاً شديداً ويذهب إلى أمهر الأطباء ويبذل مئات الليرات ليطمئن .. هذا الحـــرص على سلامة العين ، وعلى أن تتمتع بها طوال حياتك..هو كحرص الدعاة إلى الله بل هم أشد حرصاً على أنفسهم وعلى طهارتها وعلى سلامتها وعلى اصطباغها بالكمال من حرصهم على أعينهم إذا أصابها عارض .
لذلك .. الإنسان : نفس وجسد وروح . الروح في رأي بعضهم قوة الله أودعها الله في الإنسان فالعين ترى بالروح ، .. هذا الكبد الذي له خمسة ألاف وظيفة دون روح لا قيمة له ، أما بالروح له وظائف يعجز عن إدراكها العلماء فضلاً عن معرفة كنهها . هذا الكظر ، هذا البنكرياس ، هذه الأمعاء ، هذه العين العين بإمكانها أن ترى الفرق بين لونين بينهما واحد من 800 ألف درجة لو أننا درّجنا اللون الأخضر ثمانمائة ألف درجة .. العين البشرية تفرّق بين درجتين .
العين ترى بالروح ، والأذن تسمع بما أودع الله في هذه الأذن فيما يبدو قوة السمع فإذا ذهبت الروح أصبح الإنسان جثة هامدة . فالروح قوة الله عزّ وجل يستردها عند الموت ، والجسد يبلى ، النفس هي التي تبقى ، هنيئاً لمن اعتنى بنفسه .. نظر إلى أمراضها .. نظر إلى عللها .. نظر إلى ما يسعدها .. نظر إلى ما يشقيها ..
الإنسان نفسٌ هي ذات الإنسان هي المعنية بالخطاب هي التي تؤمن ، هي التي تكفر ، هي التي ترضى ، هي التي تسخط ، هي التي تسعد ، هي التي تشقى ، وله وعاءٌ هو الجسد وفيه قوة محركة هي الروح ، والإنسان حينما قَبِلَ الأمانة استحق أن تسخر له السماوات والأرض والله سبحانه وتعالى منّ عليه بهذا العقل . العقل قوة إدراكية يميز بها الإنسان عما سواه من المخلوقات ، أعطاه فِطرة .. هذا الفطرة ربنا عزّ وجل قال :
{{ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}}
( سورة الشمس )
هناك تفسير لهذه الآية يتصل بفطرة الإنسان .. يعني .. الإنسان إذا فعل شيئاً مخالفاً لفطرته يتألم ، إذا خرج عن قواعد فطرته يشعر بالضيق ، حتى أن الأجانب حينما يصفون الأمراض النفسية من جملة هذه الأمراض الشعور بالكآبة .. هذا مرض يعقب الانحراف لو أن هذا الإنسان ماوصله الحق ولابلغه الحق .. إن فطرته وحدها كفيلة كي تنبهه إذا انحرف . هذه هي الفطرة ..
لذلك : " ألهمها فجورها " هذه النفس لأنها فُطرت فِطرةً عالية جداً إذا هي انحرفت تشعر بانحرافها وتضيق بهذا الانحراف هذا معنى ألهمها فجورها وألهما تقواها وإذا اتقت الله عزّ وجل وكانت عند الأمر والنهي وكانت مطيعةً له ترتاح هذه النفس وتسعد هذا معنى " ألهمها فجورها وتقواها " .
أعطانا الكون وأعطانا العقل ميزاناً ولكن أتمنى على إخوتنا الأكارم أن يعلموا أن هذا الميزان يشبه إلى حدٍ كبير العين . مهما دقت العين تحتاج إلى ضوء لترى به ، والعقل مهما نما ومهما رجح يحتاج إلى نورٍ إلهي يهتدي به ، العقل وحده يضل والعقل دون نورٍ رباني يزل .
العقل قوة إدراكية وهو ميزان والشرع ميزانٌ على الميزان ، أعطانا كوناً وأعطانا عقلاً وأعطانا فِطرةً والفِطرة ميزان نفسي والعقل ميزان علمي وأعطانا بعد كل هذا حرية الإختيار كي تُثمّنَ أعمالنا وأعطانا شهواتٍ نرقى بها إلى الله صابرين وشاكرين وأعطانا فيما يبدو لنا قوةً نحقق بها إرادتنا هذا فيما يبدو أما في الحقيقة الفِعلُ فِعلُ الله عزّ وجل . هذه المقومات .. مقومات التكليف يجب أن تكون ماثلةً بين أيدينا .
أولاً أنت كائن لك نفسٌ وروحٌ وجسد ، ثانياً أنت مكلّف .. مكلّفٌ ومكرّمٌ ، ومخلوق أول ، مكلّفٌ بنفسك والدليل قوله تعالى :
{{قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}}
( سورة الشمس)
الله سبحانه وتعالى بعد أن خلقنا هدانا في القرآن الكريم آية تقول:
{{ قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى}}
( سورة طه)
" فمن اتبعَ هدايَ فلا يضل ولا يشقى ".والهدى على أربعة مراحل : أولاً : الله سبحانه وتعالى أعطاك الحواس الخمس هذه هداية تشترك فيها مع كل المخلوقات .
{{ قال فمن ربكما ياموسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}}
( سورة طه )
هداه بالعينين بالسمع بالإدراك بالحركة بالشمِ .. بحواسه الخمس . هداه بعقله . ولكن الهدى الثاني هو هدى الوحي أنت كمخلوق رحمة الله بك واسعة ، و حرصه عليك شديد ،
{{ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لاترجعون}}
( سورة المؤمنون)
{{ أيحسب الناس أن يترك سدى}}( سورة القيامة)
بلا أمر وبلا نهي . حينما أنزل الله الكتب على أنبيائه ، هذا هو الهدى هدىالوحي :
{{ نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى}}(سورة الكهف )
هدى التوفيق . إذا آمنت بالله عزّ وجل ينقلك من حالٍ إلى حال ومن مقامٍ إلى مقام ، يلهمك فِعلَ الخيرات وترك المنكرات يمكنّك من الدعوة إلىالله ، يعطيك مالاً تنفقه في سبيل الله ، هذه المقومات مقومات الأعمال الصالحة عند بعض العلماء هدى التوفيق ، الهدى العام، هدى الوحي ، والهدى الأخير هو الهدى إلى الجنة . سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرّفها لهم .
مخلوق أنت كي تعبد الله عزّ وجل ، الإنسان قد يأخذ وقد يعطي ، المخلوق لايستطيع أن يأخذ إلا بقدر استيعابه لكن الإنسان حينما جاء إلى الدنيا جاء ليعمل الصالحات وبهذه الصالحات وهذه المؤثرات وهذه التضحيات يشعر أن الله يحبه ، بهذا الشعور الدقيق يقبل عليه، بإقباله عليه يأخذ أكثر مما يعطى غيره ... هذا هو سِرُ حمل الأمانة .. يعني أنت جئت إلى الدنيا لتؤاثر الله على كل شيء .
{{ و أما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}}( سورة النازعات )
أنت لك طبعٌ وعندك تكليف ، وغالباً الطبع يتناقض مع التكليف ... أنت مكلفٌ أن تغض بصرك وطبعك يدعوك إلى النظر ، أنت مكلفٌ أن تصلي الفجر في وقته وطبعك يدعوك إلى النوم ، أنت مكلفٌ أن تصمت عند الغيبة والنميمة وطبعك يدعوك إلى ذكر هذه القصص الغريبة ، أنت مكلفٌ أن تنفق المال وطبعك يدعوك إلى كسب المال ، " فأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى " .
إذاً من هذا التعارض بين الطبع وبين التكليف يرقى الإنسان ، لكن في الشهوات يرقى مرتين يرقى صابراً ويرقى شاكراً ، إذا غض بصره عن محارم الله ، إذا امتنع عن أكل المال الحرام يرقى صابراً أما إذا أنفق أو إذا مارسَ هذه الشهوة وفق القناة التي سمح الله بها يرقى شاكراً . فأنت ترقى مرتين بالشهوة ترقى صابراً وترقى شاكراً . عليك أن تعبد الله عزّ وجل وهذا سر وجودك ، " وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " ، مقامك أن تعبده ولن تعبده إلا إذا عرفته ولكن كيف تعرفه..؟.
يتبع
*موقع الدكتور محمد راتب النابلسي
الدرس : 001 / 100 ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .
تاريخ الدرس : 26 / 11 / 1990.
موضوع الدرس : مدارج السالكين : المقدمة .
تفريغ : السيد وسام عودة .
تدقيق لغوي : الآنسة عفاف الجزائري .
تنقيح نهائي : المهندس غسان السراقبي .